عمر فروخ

539

تاريخ الأدب العربي

بلغ الأوصاف اللفظية والمعنوية . والبلاغة شاملة للألفاظ والمعاني ، وهي أخص من الفصاحة ، كالإنسان من الحيوان : فكلّ انسان حيوان ، وليس كلّ حيوان إنسانا . وكذلك يقال : كلّ كلام بليغ فصيح ، وليس كل كلام فصيح بليغا . ويفرق بينها وبين الفصاحة من وجه غير الخاصّ والعامّ ، وهي أنها لا تكون إلا في اللفظ والمعنى بشرط التركيب ، فإن اللفظة الواحدة لا يطلق عليها اسم البلاغة ويطلق عليها اسم الفصاحة وهو الحسن ؛ وأما وصف البلاغة فلا يوجد فيها لخلوّها من المعنى المفيد الذي ينتظم كلاما . - قوة اللفظ تابعة لقوة المعنى : ان اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان ثم نقل إلى وزن آخر أكثر منه فلا بدّ من أن يتضمّن من المعنى أكثر مما تضمنه أوّلا ، لأن الالفاظ أدلّة على المعاني وأمثلة للإبانة عنها . فإذا زيدت الألفاظ أوجبت القسمة زيادة في المعاني . فمن ذلك قولهم : خشن واخشوشن . فمعنى خشن دون اخشوشن لما في « اخشوشن » من تكرار العين « 1 » وزيادة الواو . وكذلك قولهم : أعشب المكان ؛ فإذا رأوا زيادة العشب قالوا : اعشوشب . . . ثم إن « المقتدر » أبلغ من « القادر » في قوله تعالى : « فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ » . وعلى ذلك قول أبي نواس : فعفوت عني عفو مقتدر . . . أي عفوت عني عفو قادر متمكّن من القدرة لا يردّه شيء عن إمضاء قدرته . - أبو تمّام والبحتريّ والمتنبي : ولقد وقفت من الشعر على كل ديوان ومجموع ، وأنفدتّ شطرا من العمر في المحفوظ منه والمسموع ، فألفيته بحرا لا يوقف على ساحله . . . فعند ذلك اقتصرت منه على ما تكثر فوائده وتتشعّب مقاصده . . . وقد اكتفيت من هذا بشعر أبي تمام حبيب بن أوس وأبي عبادة الوليد وأبي الطيّب المتنبي . وهؤلاء الثلاثة هم لات الشعر وعزّاه ومناته « 2 » الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته . وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين إلى فصاحة القدماء ، وجمعت

--> ( 1 ) عين الفعل في خشن هي الشين ( خشن ميزانها ف - ع - ل ) . ( 2 ) اللات ومناة ( بفتح الميم ) والعزى ( بضم العين وتشديد الزاي ) أسماء كان الجاهليون يزعمون أنها تطلق على ثلاث بنات للّه . - يقصد ابن الأثير أن أبا تمام والبحتري والمتنبي هم أرباب الشعر ، أي أعاظم الشعراء .